الشيخ محمد رشيد رضا
6
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهذا القليل لا يقال له قليل . وفي الأحاديث من ذكر خصائصه ما أفرد بالتأليف وهي مما يصح أن تعد من درجاته . وانك لترى العلماء مع هذا كله لم يتفقوا على أنه المراد في الآية ، بل جوزوا أن يكون المراد بها إدريس عليه السّلام لقوله تعالى في سورة مريم ( 19 : 57 وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ) على أن المكان ليس بمعنى الدرجات وجوز بعضهم أن يكون المراد بمعنى رفع اللّه درجات غير واحد من الرسل وهو بمعنى التفضيل المطلق في قوله « فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » وجعل بعض المتأخرين حمل « وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ » على نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من التفسير بالرأي ، وبالغ في التحذير منه ، وكيف يقبل هذا منه والآية جاءت بعد مطلق التفضيل بهذه الوجوه من التفصيل التي يمكن معرفتها بالدلائل على نحو ما قلنا وتفسير المبهم بالدليل ليس من التفسير بالرأي ، لا سيما إذا أيده السياق ورضى به الأسلوب . انما التفسير بالرأي هو ما يكون من المقلدين ينتحلون مذهبا يجعلونه أصلا في الدين ، ثم يحاولون حمل الآيات عليه ولو بالتأويل والتحريف ، والأخذ ببعض الكتاب وترك بعض ثم قال تعالى وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ البينات هي ما يتبين به الحق من الآيات والدلائل كما قال في هذه السورة ( 92 وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ) وروح القدس هو روح الوحي الذي يؤيد اللّه به رسله كما قال لنبينا ( 42 : 52 وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) الآية . وقال له في سورة النحل ( 16 : 102 قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) وقال أبو مسلم : إن روح القدس عبارة عن الروح الطيبة المقدسة التي أيد بها عيسى عليه السّلام . وقد سبقت هذه العبارة في آية ( 87 ) من هذه السورة فلا نطيل في إعادة تفسيرها ولعل النكتة في ذكر اسم عيسى عليه الصلاة والسّلام : أن ما آتاه إياه لما كان مشتركا كان ذكره بالابهام غير صريح في كونه ممن فضل به أو الرد على الذين غلوا فيه ، فزعموا أنه إله لا رسول مؤيد بآيات اللّه ظهر لي هذا عند الكتابة ، ثم راجعت تفسير أبى السعود فإذا هو يقول : وافراده